ابن كثير
196
البداية والنهاية
فلم يبلغوا أعلى سورها ، فأمر فعمل سلالم فصعدوا عليها ، وقيل إنه أمر رجلا فصعد على سورها ، فلما رأى ما في داخلها لم يملك نفسه أن ألفاها في داخلها فكان آخر العهد به ، ثم آخر فكذلك ، ثم امتنع الناس من الصعود إليها ، فلم يحط أحد منهم بما في داخلها علما ، ثم ساروا عنها فقطعوها إلى بحيرة قريبة منها ، فقيل : إن تلك الجرار المذكورة وجدها فيها ، ووجد عليها رجلا قائما ، فقال له : ما أنت ؟ قال : رجل من الجن وأبي محبوس في هذه البحيرة حبسه سليمان ، فأنا أجئ إليه في كل سنة مرة أزوره . فقال له : هل رأيت أحدا خارجا من هذه المدينة أو داخلا إليها ؟ قال : لا ، إلا أن رجلا يأتي في كل سنة إلى هذه البحيرة يتعبد عليها أياما ثم يذهب فلا يعود إلى مثلها ، والله أعلم ما هو ، ثم رجع إلى إفريقية ، والله أعلم بصحة ذلك ، والعهدة على من ذكر ذلك أولا . وقد استسقى موسى بن نصير بالناس في سنة ثلاث وتسعين حين أقحطوا بأفريقية ، فأمرهم بصيام ثلاثة أيام قبل الاستسقاء ، ثم خرج بين الناس وميز أهل الذمة عن المسلمين ، وفرق بين البهائم وأولادها ، ثم أمر بارتفاع الضجيج والبكاء ، وهو يدعو الله تعالى حتى انتصف النهار ، ثم نزل فقيل له : ألا دعوت لأمير المؤمنين ؟ فقال : هذا موطن لا يذكر فيه إلا الله عز وجل ، فسقاهم عز وجل لما قال ذلك . وقد وفد موسى بن نصير على الوليد بن عبد الملك في آخر أيامه ، فدخل دمشق في يوم جمعة والوليد على المنبر ، وقد لبس موسى ثيابا حسنة وهيئة حسنة ، فدخل ومعه ثلاثون غلاما من أبناء الملوك الذين أسرهم ، والأسبان ، وقد ألبسهم تيجان الملوك مع ما معهم من الخدم والحشم والأبهة العظيمة ، فلما نظر إليهم الوليد وهو يخطب الناس على منبر جامع دمشق بهت إليهم لما رأى عليهم من الحرير والجواهر والزينة البالغة ، وجاء موسى بن نصير فسلم على الوليد وهو على المنبر ، وأمر أولئك فوقفوا عن يمين المنبر وشماله ، فحمد الله الوليد وشكره على ما أيده به ووسع ملكه ، وأطال الدعاء والتحميد والشكر حتى خرج وقت الجمعة ، ثم نزل فصلى بالناس ، ثم استدعى بموسى بن نصير فأحسن جائزته وأعطاه شيئا كثيرا ، وكذلك موسى بن نصير قدم معه بشئ كثير ، من ذلك مائدة سليمان بن داود عليهما السلام ، التي كان يأكل عليها ، وكانت من خليطين ذهب وفضة ، وعليها ثلاثة أطواق لؤلؤ وجوهر لم ير مثله ، وجدها في مدينة طليطلة من بلاد الأندلس مع أموال كثيرة . وقيل إنه بعث ابنه مروان على جيش فأصاب من السبي مائة ألف رأس ، وبعث ابن أخيه في جيش فأصاب من السبي مائة ألف رأس أيضا من البرير ، فلما جاء كتابه إلى الوليد وذكر فيه أن خمس الغنائم أربعون ألف رأس قال الناس : إن هذا أحمق ، من أين له أربعون ألف رأس خمس الغنائم ؟ فبلغه ذلك فأرسل أربعين ألف رأس وهي خمس ما غنم ، ولم يسمع في الاسلام بمثل سبايا موسى بن نصير أمير المغرب . وقد جرت له عجائب في فتحه بلاد الأندلس وقال : ولو انقاد الناس لي لقدتهم حتى أفتح بهم مدينة رومية - وهي المدينة العظمى في بلاد الفرنج - ثم ليفتحها الله على يدي إن شاء الله تعالى ، ولما